الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

225

شرح ديوان ابن الفارض

منازلها منّي الذّراع توسّدا وقلبي وطرفي أوطنت أو تجلّت [ الاعراب ] ثم لمّا أثبت أنها بدر وأن ذاته سماء له أراد أن يثبت في ذاته منازل لذلك البدر ، إذ من شأن السماء أن يكون فيها منازل القمر ، فقال : « منازلها مني الذراع توسّدا » . وقوله « وقلبي وطرفي » إشارة إلى منزلين أيضا من منازل القمر . والذراع منزل أيضا وهو ذراع الأسد المبسوطة . وللأسد ذراعان مبسوطة ومقبوضة وهي تلي الشام . والقمر ينزل بها ، والمبسوطة تلي اليمن وهي أرفع في السماء وأمد من الأخرى ، وربما عدل القمر فنزل بها تطلع لأربع يخلون من تموز وتسقط لأربع يخلون من كانون الأول . وقلب العقرب منزل من منازل القمر وهو كوكب نيّر وبجانبيه كوكبان . والطرف كوكبان يقدمان الجبهة وهما عينا الأسد ينزلهما القمر ، فذكر الذراع والقلب والطرف ، والمراد منها ما في الإنسان من الأعضاء وهي معادن بعيدة بالنسبة إلى القمر الحقيقي فيكون فيها إيهام التورية ، ومع ذلك فهي ترشيح للاستعارة أو التشبيه لملائمتها المستعار منه أو المشبه به . وتوسدا منصوب على الظرفية المقدّرة أي حالة التوسّد . وقوله أوطنت أو تجلّت راجعان للقلب والطرف على سبيل اللف والنشر المرتّب ، أي منزلها القلب في حالة الاستيطان ، والطرف حالة التجلّي . وفي البيت التناسب بذكر الذراع والقلب والطرف واللفّ والنشر المرتّب وإيهام التورية . [ المعنى ] ( ن ) : عدّد المنازل لأنه أراد كثرة تجلياتها في اتحاد إقباله عليها في مرتبة الذراع المشار إليها بقوله في الحديث القدسي : « من تقرّب إليّ شبرا تقرّبت إليه ذراعا » . فالذراع موعد تقرّب الرّبّ من عبده المتقرّب إليه بالشبر الذي هو ثلث الذراع وهو النفس ، والثلث الثاني الروح ، والثالث الجسم . وقوله مني إشارة إلى أن المتقرّب واحد منهما ولا بدّ أن يكون تقرّب العبد إلى الرّبّ بالرّبّ لا بالنفس فإذا كان بالرّبّ فهو من الرّبّ حقيقة ، وإن كان من العبد صورة . ولهذا قال في الحديث بعد ذلك : « ومن تقرّب إليّ ذراعا تقرّبت إليه باعا » ، فجعل قرب الذراع من العبد أيضا . وقوله توسدا كناية عن الجسم المركّب الكثيف الذي تتوسده الروح فتتوكأ عليه فمنازلها في حالة التوسّد المذكورة مرتبة الذراع من الرّبّ تعالى أو منه . وقوله وقلبي ، أي منازلها أيضا قلبي من قوله في الحديث القدسي : « وسعني قلب عبدي المؤمن » . وقوله وطرفي ، أي عيني من قوله تعالى : قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ يونس : الآية 101 ] ، وقوله : وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ [ الأنعام : الآية 3 ] . ثم بيّن منازل القلب ومنازل الطرف بقوله : أوطنت أو تجلت ، فأوطنت راجع إلى القلب ،